الاثنين، 6 أغسطس 2012




المخلفات الفضائية


المقدمة  



1.   يبدو أن التلوث والاستنزاف والدمار تعدى الغابات والأنهار وأعماق البحار لتصل في النهاية إلى الفضاء الخارجي الذي يحيط بكوكب الأرض ففي السماء الزرقاء التي تبدو لنا صافية تسبح آلاف الأطنان من شظايا عمليات إطلاق الأقمار الصناعية والرحلات الفضائية المتكررة التي يرى العديد من العلماء إنها إذا أُهملت فقد تتحول إلى أزمة في المستقبل تشبه أزمة الأوزون والإنبعاث الحراري الذي تعاني منه الأرض حاليا.

2. لعله ليس جديداً أن نسمع مصطلح "نفايات فضائية" ولكن الأمر بات واقعاً موجوداً، بل تعاني من تلافي حوادثه كبرى شركات ومؤسسات غزو الفضاء العالمية، لدرجة أن بعض لعلماء اقترحوا تأسيس "بلدية" فضائية لـ "كنس" الفضاء وتنظيفه من تلك النفايات الضارة


تعريف المخلفات الفضائية



3.   المخلفات الفضائية عبارة عن مجموعة من النفايات الناتجة من مخترعات الإنسان ومن بقايا الأقمار الصناعية السابحة في مدارات حول كواكب النظام الشمسي. ومنها ما زالت مخلفاته       في مدار الرض تسبح حولها وتشمل هذه المخلفات أي شيء لم يعد له حاجه في الفضاء             كالأجزاء الصغيرة المنفصلـة عن المركبات الفضائية والـشهب الضوئية المنـطلقة منها              والخلايا الشمسية والأقمار الصناعية المهجورة ورقائق الدهن والمركبات الصغيرة                للمفاعلات النووية والأجسام التي فرغت من استخدامها المحطات الفضائية وجزيئات الوقود       الصلب.           







ظاهرة كسلر



4.   منذ بداية عصر الفضاء تم إطلاق 4600 مركبة فضائية لوضع 6000 قمر صناعي في المدار المخصص لها مما خلق قلق للعلماء لدى وكالة الفضاء الأمريكية ومن بينهم دونالد كسلر  الذي كان أول من أشار في عام 1970م إلى مشكلة تزاحم المركبات بالمدارات الفضائية وقد حذر كسلر من خطر التصادم المتسلسل للأقمار الصناعية حيث المخلفات الناتجة عن تصادم جسمين فضائيين من المخلفات والأقمار الصناعية ستؤدي إلى تصادم أعداد أكبر من الأجسام الفضائية.

فعلى سبيل المثال أن كتلتين كبيرتين من الأقمار الصناعية تصادمت على سرعت تفوق 20 الف ميل في الساعة فإنه سوف ينتج عنه تناثر حطام من مئات القطع الصغيرة  حيث إن القطعة الواحدة منه كفيلة بإحداث اصطدام بإحدى المركبات الفضائية التي هي الخرى تتناثر في سلسلة اصطدامات تؤدي في نهاية المطاف إلى حزام من القطع المتناثرة التي تعيق أي حركة في الفضاء نتيجة تزاحم وكثافة القطع تلك ويستحيل معها العبور الآمن لأي مركبة.

نتيجة لخطورة النفايات الفضائية تزايدت تحذيرات العلماء في الفترة الأخيرة حيث توقع                                                                                                                                             هاينر كلنكراد" من مركز الأبحاث الفضائية الألماني أن يفق العالم قمرا صناعيا كل 10 نوات بسبب الإرتطام بنفايات فضائية كبيرة.



مشكلة قمر الأريديوم



5.  شهد العالم في العاشر من فبراير 2009م ولأول مرة انفجار قمر الإتصالات الأريديوم            نتيجة اصطدامه بقمر صناعي روسي على ارتفاع 500 ميل فوق سيبيريا. هذا الحدث أضاف أكثر من 2000 قطعة عالقة تسبح ضمن سحابة العواق التي تشكلت حول الأرض.

وبعد هذه الحادثة قامت "ناسا" بقياس احتمالات حدوث حادث خطير لكل 318 عمــــلية  اطلاق مكوكية. ويعتقد أن بعض هذه المخلفات الناتجة عن الإصطدام قد تبقى في مدار الأرض لمدة 10000 عام.                 











أشهر المخلفات الفضائية



6.   في 18 نوفمبر 2008م سقط من رائد الفضاء هير ماري ستيفانيشين بيبر علبة للأدوات          خلال صيانة الذراع الروبوتية لمحطة الفضاء الدولية. وفي فبراير 2006م تم إلقاء بدلة           فضاء مزودة بجهاز إرسال على موجات الراديو كي تتم دراسة قدرة تجهيز البدلات               الفضائية  لتكون أقمار صناعية . في عام 1966م أضاع الرائد مايكل كولينز آلة تصوير         قيمة كان يستخدمه الرائد لتصوير الرض من الفضاء وكون الكاميرا سويدية الصنع ابتهج         السويديون في تلك الفترة واعتبروا الكاميرا أول قمر صناعي سويدي ويعتقد أن الكاميرا لا       تزال في  مدارها حول الأرض.                    

لعل أغرب جسم فضائي هو ما نتج عن تجربة القنبلة النووية في عام  1957م  في  لوس        الأموس نيومكسيكو حيث أدى الإنفجار إلى طيران غطاء قناة التفجير بسرعة تجعله يخرج       من المجال الجوي. ويعتقد أن هذا الغطاء هو أول جسم فضائي من صنع الإنسان كون هذه        التجربة حدثت قبل إطلاق القمر سبوتنك السوفيتي.

أما أهم الحوادث التي أدت إلى تكون العديد من المخلفات ما حصل في 11يناير 2007م                عندمـا اختبرت جمهوريــــة الصين الشعـبـيـة صـواريخ مضادة للأقمار الصناعية . فقد تم إطــلاق صـاروخ يعمل بالوقود الصلـب ليصيب أحـد الأقـمار الصناعية الصينية وكـان القمر المصاب يدور في مدار قطبي وهو متخصص في الإرصاد الجوية. والجدير بالذكر أن الصاروخ المضاد للأقمار الصناعية لم يكن مجهزا برأس متفجر بل قام بتدمير القمر عن طريق الإصطدام فقط ومع هذا فقد نتج عن الإنفجار ما بين 2300-2500 جسم مما يجعل هذا الإصطدام الحـدث الأكبر في تكوين المخلفات الفضائية.



أبحاث فضائية



7.   رغم أن الإنسان لم يتضرر حتى الآن من النفايات الفضائية المحلقة  إلا أن أبحاثا من             وكالات فضائية  تؤكد أن ما يزيد على 9300 جسم يدور حول الأرض في مداراتها اتضح       أن 6% منه فقط مركبات وأقمار صناعية تعمل وهذا يعني أن ملايين الأجسام الغريبة على       اختلاف أحجامها تدور في مدارات حول الأرض إذ أن مخلفات الأقمار الصناعية ليست       بمجملها تحترق في الفضاء بل منها ما يمكنه الدوران في مدارات لسنوات عديدة قبل أن          يحترق ويسقط على الأرض.

       وأشـارت وكالـة الفضاء الأمـريكية إلى زيــادة هذه المخلفات الفضائية بـازدياد المركبــات

والأقمار والصواريخ الفضائية مما يزيد معدل النفايات الفضائية إلى 5% سنويا وهو معدل مخيف. إذ أنها في الأربعين عاما القادمة سيكون هناك أكثر من 300 مليون نفاية فضائية يبدأ قطرها من سنتيميتر واحد وهذا يعني أن مدار الأرض سيزداد خطورة في المستقبل بل وقد       يؤدي ذلك إلى عرقلة سير الملاحة الفضائية في المستقبل.                                

وتدور حول الأرض في الوقت الحاضر مئات الآلاف من النفايات الفضائية و12 ألف نفاية منها لا يتجاوز حجمها كرة المضرب وتبلغ سرعة دورانها حول كوكب الأرض 35 ألف كم في الساعة على إرتفاع يتراوح بين المئات وآلاف الكيلومترات ويجعل معدل السرعة هذا أي     اصطدام مع جسم من هذه الأجسام عملية لا تحمد عقباها.

وتقسم هذه الأجسام  (النفايات) بعد كل عملية اصطدام أو انفجار إلى قطع أصغر مما يزيد في عددها كما يفوق عدد معدل تكونها معدل إزالتها وهو ما أدى إلى زيادة واضحة لحجم تلك        النفايات في المدار الأرضي السفلي خاصة بمعدل يقترب من 5% في السنة.       



المؤتمر الدولي لمناقشة مشكلة تزاحم الفضاء



8.   نتيجة لذلك قامت ناسا باستضافة مؤتمر دولي لمناقشة الخطوات الكفيلة بتنظيف المخلفات حيث تقوم وكالات الفضاء المختلفة فعليا بمراقبة وتتبع تلك الأكوام خاصة الرحلات               المأهولة لتلافي تلك العوائق. ففي عام 2007م أوصت هيئة الأمم المتحدة بإجراءات وقائية       كتوجيه الصواريخ الدافعة للحيلولة دون إنفجارها وعدم استخدام المقذوفات لإسقاط وتفجير        الصواريخ منتهية الصلاحيات مثلما فعلت الصين في وقت سابق.

وقد ناقش المؤتمر طرق عدة للتعامل مع مشكلة العوالق في الفضاء الخارجي ومنها:

        أ.      وضع موصل كهربائي طويل يمكن ربطه بأحد الأقمار المنتهية أو المقذوفات                              المتناثرة ويكون موصل بالمجال المغناطيسي القريب من سطح الرض وذلك بغية                          جلب الأقمار المنتهية لسطح الأرض ومن ثم تفجيره بطرق آمنة.                    

        ب.     إرسال مركبة فضاء خاصة بالتقاط تلك الأقمار المنتهية مثل عربة جمع القمامة                            وتفريغها بمنطقة النفايات بالكرة الأرضية.      

        ج.     وضع رغوة هائلة في الفضاء تقوم بدور أشبه بشبكة العنكبوت لالتقاط جميع                               الأجسام وتفريغ تلك الأجسام من الطاقة لتمنعها من السباحة في الفضاء لكنه من الصعوبة        وضع كرة من الرغوة بحجم ميل

                د.      مشروع "أوريون" ويـهدف إلـــى تدمير النفايـات الفضائية بواسـطه مـدافـع لـيـزر  ضخمة تَطلق من صحراء "نيفادا"، وتقوم الفكرة عـلى رصد القطع المعدنية الكبيرة ثـم           قذفها بإشعاع ليزر قوي لتفتيتها إلى أجزاء أصغر أو حرف مسارها كي تدخل جو الأرض               فتحترق وتذوب بفعل الإحتكاك السريع بالهواء. 



رصد المخلفات الفضائية



9.  ذكــر في تقـريـر للجنة استخدام الفضاء الخـارجـي في الأغـراض السلمية التابعة للأمم المتحدة في عام1999م الطرق المتبعة لرصد المخلفات الفضائية وهي كالتالي:

        أ.      الرصد بواسطة أجهزة أرضية بواسطة الرادار حيث تنتشر الرادارات التي لها     القدرة على رؤية الأجسام الفضائية في عدد من الدول منها ألمانيا واليابان وروسيا     وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية وأدق هذه الرادارات غولدستون لناسا حيث له     القدرة على رؤية جسم قطره 2مم على إرتفاع 500كم.         

        ب.     بواسطة  أدوات بصرية يمكن رؤية الأجسام الفضائية عندما تعكس أشعة الشمس أثناء الليل باستخدام التليسكوب.              

        ج.     الرصد بواسطة مركبات فضائية وتكون عن طريق فحص بدن المركبات العائدة إلى الأرض وتقدير عدد المخلفات. ويتم تقدير عدد الأجسام على أساس المدة التي قضتها       المركبة في الفضاء ومساحة السطح المعرض للإصطدام بالمخلفات الفضائية وأحد هذه         المركبات هي المركبة المعرضة لمدة طويلة وقد أطلقت هذه المركبة عن طريق مكوك       الفضاء تشالنجر لقياس عدد المخلفات الفضائية وتقدر مساحة المركبة 151 متر مربع       وأتمت المركبة 32422 دورة حول مدار الأرض خلال 5 سنوات و7 اشهر (من شهر   إبريل 1986- يناير 1990م).

        د.      إرسال أقمارا صناعية خصيصا لرصد الأجسام الفضائية ويتم رصد الأجسام                      الفضائية عن طريق الأشعة دون الحمراء.  



محاولات الحد من المخلفات الفضائية



       تعتبر وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" أول وكالة فضاء تقوم بإصدار تقرير يتضمن قواعد للحد من المخلفات الفضائية وكان ذلك في عام 1995. وبعدها بعامين قامت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار مذكرة بقواعد ممارسات التخفيف من المخلفات الفضائية واعتمدت المذكرة على تقرير ناسا.



الأوربيون أبدو بعض الإهتمام بالتلوث الفضائي فقد أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية برنامج لدراسة المخلفات الفضائية ووضع قواعد لتقليل ومنع حدوث تصادمات للأقمار الصناعية والمركبات الفضائية في مدارات الأرض. وقد أطلق البرنامج في العاشر من فبراير سنة 2009 بتكلفة 50 مليون يورو.

       وهناك حالياً عدد من الدراسات بخصوص المخلفات الفضائية الموجودة. وإحدى هذه الدراسات تشير إلى إمكانية إرسال قمر صناعي تكون مهمته إدخال المخلفات الفضائية إلى المجال الجوي للأرض. وبهذه الطريقة يتم التخلص من الجسم الفضائي عن طريق احتراقه من شدة الاحتكاك بالغلاف الجوي. وتبنى نظرية القمر الصناعي على إبطاء من سرعة الجسم الفضائي باستخدام وسائل للربط الكهروديناميكي. كما يتم دراسة طرق أخرى للتخلص من المخلفات الفضائية كاستعمال أشعة الليزر أو وضع مصدات تعمل على تغيير مسار الأجسام الفضائية غير المرغوب بها بحيث تدخل المجال الجوي للأرض.

       وتقوم ناسا الآن بتصميم المركبة الفضائية "أوريون" بحيث تكون مزودة بدرع واقي. ويتم اختبار هذا الدرع في مركز جونسون للفضاء التابع لناسا. حيث يتم قذف أجسام ذات أحجام مختلفة لتصطدم بالدرع بسرعة تتراوح بين 7 و 8 كم/ثانية (25200 - 28800 كم/ساعة). ويتم تحليل المعطيات بواسطة الحاسوب كي يعطي صورة مقربة لما قد يحصل بالفضاء

       على الرغم من خطورة المخلفات الفضائية، فإنه لا يوجد اتفاق عالمي للتقليل من كميتها. وقد قدمت لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية التابعة للأمم المتحدة مجموعة من التوصيات المتعلقة بالمخلفات الفضائية عام 2007. وتركز تلك التوصيات على الجوانب التالية:

        أ.      الحد من الحطام المنبعث من العمليات العادية.

        ب.     تقليل حلات التشظي (تكون الشظايا) أثناء الأطوار التشغيلية للمركبات الفضائية.

        ج.     الحد من احتمال الاصطدام العرضي في المدار.

        د.      تفادي التدمير العمدي وسائر الأنشطة الضارة.

        ه.      الحد من تواجد طويل الأمد للمركبات غير المستخدمة.



أحداث متعلقة بدخول المخلفات الفضائية للمجال الجوي



       أحد المخلفات الفضائية التي وقعت في المملكة العربية السعودية في تاريخ 2001/1/21. يقدّر أنه خلال الأربعين سنة الماضية، يدخل جسم واحد من المخلفات الفضائية المجال الجوي للأرض يومياً. ومعظم هذه الأجسام صغيرة ولا تسبب ضررا. ولكن بعضها قد ينجو من الاحتكاك بالغلاف الجوي ويصل إلى سطح الأرض. لعل ما يلي أشهر الأحداث المتعلقة بدخول المخلفات الفضائية للمجال الجوي وبلوغها لسطح الأرض.



       أسوأ الحوادث المتعلقة بدخول المخلفات الفضائية للمجال الجوي كان في شهر يوليو عام 1979 عندما دخلت المحطة الأمريكية "سكاي لاب" المجال الجوي للأرض قبل الموعد الحدد لها. وقد سقطت أجزاء المحطة التي تزن 78 طن على أجزاء متفرقة من أستراليا.

       في 22 مارس سنة 2007 سقط جزء من حطام قمر صناعي روسي كان يستخدم لأغراض تجسسيه قرب طائرة الإيرباص إيه 340 التابعة لشركة خطوط الطيران التشيليّة في رحلتها من سانتياغو بالتشيلي إلى أوكلاند، نيوزيلندا وعلى متنها 270 راكب خلال طيرانها عبر المحيط الهادي.

       إلى الآن سجلت إصابة واحدة بسبب المخلفات الفضائية حيث أصيبت لوتي ويليامس عام 1997 في كتفها بجسم قياسه 10,13 سنتيمتر. وقد تم تأكيد وجود الجسم وحدد مصدره بأنه أحد أجزاء خزان الوقود للمركبة دلتا- 2 والتي أطلقتها القوات الجوية الأمريكية في عام 1996.



الخلاصة



       يذكر العلماء أن النفايات الفضائية وإن كان حجمها صغير كمسمار مثلا لا يتجاوز قطره سنتيمتر واحد بإمكانه أن يكون خطرا مدمرا لقمر اصطناعي أو رجل فضاء ذلك لأن هذا الجسيم الصغير يأخذ مدارا خاصا به حول الأرض ويسير بسرعة فائقة قد تفجر قمرا صناعيا وكما يمكن

لنفاية فضائية أن تحول قمرا صناعيا إلى أشلاء وشظايا متناثرة تزيد من مشكلة النفايات ذاتها.